علامات من وراء الأفق!







هل يستطيع الانسان تبيان ملامح الاشياء بمجرد النظر إليها ، أم يتطلب الأمر المزيد من التأمل في القدرة على اختراق الأشياء عبر بصيرة نافذة وعقل متوازن وتقدير متأن عبر الإبصار بالقلب، قد لا نختلف في الربط بين الاطفال الصغار الذين ينظرون الى الصور بعيونهم ويفسرونها بعيونهم وبين بعضا من البالغين الذين يفسرون الصور أيضا بعيونهم ويترجمونها بعيونهم دون ما وراء تلك الصورة،ولعل المواقف التى نعايشها يوميا أو نعايشها وفق قدومها والتصرفات المبنية عليها تضع تقديرك لنفسك ثم تقدير غيرك لك إذا كانت التقديرات سليمة ومبنية على المبادئ والأسس والأخلاق.

وأنت صغير لا تستطيع أن تقيم المتغيرات حولك كما انت عاقل وكبير , ولأن الفروق بين البالغين تكمن في التقدير الصحيح والتقدير الخاطئ وليس صحيح أن كل كبير عاقل والعكس صحيح , وميزان الأمور يتم وفقا للصحيح وحتى للصحيح أنواع  في أيامنا هذه منها ما هو  مبنيا على المصالح أحيانا لاغير ومنها ماهو مبني على المبادئ ومنها ما هو مبني على المواقف.

كم تستطيع حصر المواقف التى مرت عليك في حياتك وأنت سعيد وأنت حزين وانت قلق وانت واثق وأنت صادق وانت تكذب وانت تحب وأنت تكره وغيرها الكثير وكيف نستطيع ان نخرج منها بحصيلة خبرة جيدة تستطيع أن تواجهة بها بقية حياتك وتصدرها لغيرك ولمحيطك ومجتمعك .






أذكر عندما كنت صغيرا زارنا عمي وأسرته وبعد السرور والتواصل والأنس وتبادل الأخبار والدردشات تناولنا وجبتنا بكل سرور مع عمي وابنه ووالدي وابنه الذي هو أنا ، وعندما انتهينا وجاء دور الفواكة وزع والدي الفواكة ومنها فاكهة البطيخ التى كنت أحبها حبا جما ، فأعطى ابن عمي الذي يصغرني قطعة من فاكهة البطيخ أكبر من التي أعطاني إياها ، فعندها تحسست وذرفت الدموع وغادرت المكان باكيا بكاء الحزن وأنا أتسائل لماذا يعطي والدي ابن عمي قسما أكبر مني ! لعل هذا الموقف عندما أتذكره أقول بنفسي " أنت رجل حساس " منذ الصغر وتعالج الاشياء أحيانا بخطأ بفضل حساسيتك الزائدة التى تجامل فيها المجتمع  على حساب نفسك ومسؤوليتك وقد ينتج خطأ أخر بسبب هذه المجاملة وهنا يجب أن نتدارك أن هناك مواقف وأصناف  من الناس لاتنفع معها المجاملة " لأن المجاملة من رقة القلب والضعف معا أحيانا " والكثير منها كرم قلب ومروءة وشهامة وهذا ما لايفهمه اللئيم.

وعندما توضع في مكان السارق وأنت لم تسرق شئ وتُتهم لأنك الصغير فقط ،فقد كنت مولع بالسيارات حينها  كنا نذهب الى الصلاة مع أقراني من أبناء الجيران " حميد " وأخوانه الصغار فكنا نشاهد بعضا من سيارات المصلين التى تصطف أمام المسجد حيث يقتلنا الفضول حول نوعيتها و حول نوع ناقل الحركة " عادي " أم " أوتوماتيك " و لون فرش السيارة ، فأحلامنا  لا تتعدى النظر وليس الامتلاك و الانبهار بلون السيارة وليس قيادتها فكانت أمانينا صغيرة ومرئية وشفافة الينا ولا نماري أو نرائي أو ننفاق حتى نحصل عليها أو نكون غير طبيعين جدا،  فجأة يدقون باب البيت ويقولون أنك سارق وسوف يبلغ الشرطة " الرجل الشايب " الذي رآنا بجوار السيارات ونطوف حولها ، هنا يتسمر احساسك الصغير وتذرف عيونك الدموع فقط مع الاحساس بالخوف من الشرطة ، وكانت كلها خطة الرجل العجوز لاخافتنا وأن نبتعد عن السيارات كفضوليين، كبعض الآباء عندما يريد أن يبعد أطفاله عن مكان ما في البيت أو شئ آخر فيذكره أن الحرامي سوف ياخذه بعيدا أو سوف يأكله وعندها تجد الطفل تكونت له عقده الخوف من الاشياء والخوف من الاقتحام وتجاوز الصعاب وكراهية الاشياء التى يُخوف بها وقد تتطور الى فوبيا مزمنة ينشأ معها الطفل،فالشرطة لحفظ النظام والأمن والقبض على المجرمين والحرامي تستطيع الشرطة أن تقبضه وبهذا تكون الشرطة صديقة للكل بما فيها الأطفال ولكن هذا الذي لا يُفهم من " الرجل الشايب" الذي هددني بالشرطة وأنا صغير أوأن الحرامي شخص مجرم وليس بعبع له ظل ، فلعل هذه الترابطات تفيدني أن أقود إبني الى بر الأمان وربط الحوار بالمثال وربط المثال بشئ يفهمه صغيري سوف يضره إذا أخطأ وينفعه اذا سلك دربه الصحيح.








 ففي ذاك اليوم من عقد التسعينات عندما تخرجت من الثانوية مسافرا نحو الأحلام نحو الآمال والحياة الجديدة ، فقد كانت ليلة حالكة الظلام ممزوجة بضباب الجو لم تبددها الا نصائح الوالد الحانية وهو يوصلني الى المطار فقد كانت همسات عاطفية ممزوجة بتوجيه  الوالد المربي  بجد النصح والارشاد لما أنا كنت مقدما عليه وهي المرحلة الجامعية. فقد كنت أعشق السفر والترحال واجواء المطارات وكبائن الطيارين وتشكل بعدها حلم الطيران وقيادة الطائرات الى يومنا هذا الذي توجهت فيه الى مسار آخر وبلغ عمري ما بلغ و ما زلت أكتب عن تلك الأحلام ، إنتهيت من إجراءات السفر الروتينية وانتهينا ركوبا على الطائرة والحمدلله ، فجأة استفاق ذهني على حوادث الطائرات لماذا في تلك اللحظة ولماذا هذا التوقيت لا أدري ؟!

فقد كانت الطائرة خالية وباردة وعادة الشعور بالبرد قد يشعرك بالتوتر لما يصيب جسدك كقشعريرة جو الشتاء ، فالذهن إمتلاء عن حوادث الطائرات بلا سبب في تلك اللحظة ، وأقلعت بنا " ميمونة " - اسم الطائرة -  وكان الجميع مطمئن واكتحلت عيني بمناظر الشوارع والحضارة الإسمنتية التى تملأ مدننا  دون موازاتها بحضارة إنسانية تفوقها تطورا ولكن كما نحن دائما نفاخر بالآلات والأجهزة والمكيفات والمفارش والسيارات لعلها تزيدنا تطور وتكسبنا علما ، فالبرغم من أن الانسان هو صانع حضارة والآلة ولكن الواقع بات يرتد معكوسا فيلجا الانسان للآلة لتستعبده و لتصنع له طعامه وتحسب له ماله وتطور له نومه وتكوّن  له يومه ، فبات كسلان خمل لا يلجأ الى شئ الى بمساعدة هذه الآلة فكيف نتطور ونزهو ونتقدم.

ونحن هبوطا وسط أجواء الضباب فقد كنت بجانب لوحتى الزهية التى تريني هذا العالم من الاعلى ، نافذتي على العالم لم تكن بهذا الاتساع مثلما هي الآن فالطبيعي أن يتقدم العمر وتتفتح معه الآفاق والطموحات والآمال والأحلام وكل له ثمن ، فجأة مع سطوع أضواء الهبوط الحمراء وسط الضباب قفزت الى ذهني فكرة الحوادث مرة أخرى  وبدا قلبي يدق فقد ارتسمت بذهني صورة الحريق ، حريق في جناح الطائرة مع اندفاع الطائرة مرة أخرى من وضعية الهبوط الى وضعية الإقلاع  بدون أي مقدمات وبشكل ضاغط شهق له جميع الركاب  بسبب عدم مقدرة ربان الطائرة على الهبوط وسط الضباب واكتمل المشهد  كاملا ، وأغلقت النافذة و أغمضت عيني وكومت جسدي  وتلوت الشهادتين بصدق راجيا لحظة الارتطام او الانفجار أو ماشابه . 








بلى صدقت ربي سبحانك وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور ، فاللحظات الفاصلة بين مشاهدة الموت والحياة لا يفصلها إلا خيط رقيق هو خروج الروح الى بارئها وعندما تعيشها تدرك أن الحياة لا قيمة  لها إلا بتذكر الموت ورفاقه من المرض والجوع واليتم والفقر والألم ، وهنا سوف تعيش برؤية جديدة ونحو جديد وتعرف أن لاقيمة لحسد او حقد أو كراهية أو غرور وتكبر  او نفورأو معصية أو انتكاسة  إلا بهذه الحياة وكلها مضادات لك يوم الحساب تنقص من قدر هذه النفس الدنية عند الله عزوجل ولا قيمة لها الا بالتسامي وتزكية النفس والعلو بها نحو الآفاق.

وكما قال مصطفى محمود - رحمه الله - في "  كتابه الإسلام ما هو ؟ " :  ليس  بإنسان من لم يتوقف لحظة في أثناء عمره الطويل ليسأل نفسه ما الحكاية بالضبط ، ومن أنا ؟ ومن أكون ؟ ومن أين جئت ؟ والى أين ذاهب ؟ وما مصيري وما الحكمة من الألم ، وما الهدف من الوجود وعلام هذا اللهاث المجنون وآخر السعي موت وتراب ولا شئ ، إن الحياة دون إيمان و دون يقين وخاليه من الله عزوجل لهي مشروع فاشل نهايته اليأس والانتحار .

تعلم أنك زائل ولنستحضر مابعد الموت من بشريات ونذر والحالة التى سوف نلقى بها الله عزوجل ، وبها نكمل مسيرتنا في الحياة وليكن نصب القلوب قبل الأعين لحظات فارقة من حياتك ظلمت فيها ثم أنبت وعصيت فها ثم رجعت وأخرى مارست  فيها فجورك وعصيانك ولم ترجع الى الآن وأخرى تنشد فيها مرتبة النفس المطمئنة بعد اللوامة ، واعلى درجات النفس اليوم كما أراها هي اللوامة  من سبعة طبقات لمراتب إيمان النفوس بالله في دنيا تحركها الماديات والمرئيات والشواهد المحسوسة فقط لاغير .

وليرزقنا الله نفسا لوامة تذكرك إذا غفلت وتنوب بها اليه إذا انحرفت ولعلنا نكون ممن قال فيهم سبحانه " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ " ، فالنجدد التوبة دائما ولنسأل الله حسن الخاتمة .


وللحياة بقية مادمت تتنفس ولها قيمة مادمت مرتبطا بالله عزوجل.










تعليقات